مباحث الاُصول، القسم الثاني - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ١٩٠ - الاضطرار في طرف معين
الاضطرار في بعض الأطراف
التنبيه التاسع: في الاضطرار إلى المخالفة في أحد الأطراف، والكلام فيه يقع في مقامين; لأنّ الاضطرار تارةً يكون في أحدهما المعيّن، وأُخرى في أحدهما لا بعينه.
الاضطرار في طرف معيّن
المقام الأوّل: في الاضطرار إلى أحدهما المعيّن، وهذا الاضطرار تارةً يحصل قبل سبب الحكم، وقبل العلم بالحكم، ونحوه فرض المقارنة للسبب أوْ له وللعلم، وأُخرى يحصل بعدهما، وثالثة يحصل بعد السبب وقبل العلم أو معه، فالاضطرار إلى الماء مثلاً تارةً يحصل قبل وقوع قطرة دم في واحد من إنائي الماء والدبس، وأُخرى يحصل بعد وقوعها وبعد العلم بذلك، وثالثة يحصل بعد وقوعها وقبل العلم بذلك.
أمـّا القسم الأوّل ـ وهو حصول الاضطرار قبل سبب التكليف أو مقارناً له، فلا إشكال في عدم التنجيز فيه; لعدم العلم بالتكليف، لأنّ أحد الطرفين ـ وهو الماء ـ مرخّص فيه ومباح إمّا بالعنوان الأوّلي أو بالاضطراري[١]، والطرف الآخر
[١] قد تقول: إنّ ما نحن فيه ـ بناءً على عدم دخل القدرة في الملاك ـ مورد للاحتياط; لأنـّه من موارد كون الشكّ في التكليف ناتجاً من الشكّ في القدرة، وفي مثل هذا الفرض يحكم العقل ـ بناءً على عدم دخل القدرة في الملاك ـ بالاشتغال، ولا تجري البراءة العقليّة، وينصرف عنه إطلاق البراءة الشرعية، وأيّ فرق بين ما لو علمنا تفصيلاً بتكليف ما على تقدير عدم العجز ولكن احتملنا العجز وما لو علمنا إجمالاً بأحد تكليفين على تقدير عدم العجز، ولكن قطعنا بالعجز عن أحدهما المعيّن؟ ففي كلا الفرضين يكون الشكّ في التكليف ناتجاً من الشكّ في القدرة، فإذا وجب الاحتياط في الفرض الأوّل لغرض عدم دخل القدرة في الملاك وجب في الفرض الثاني أيضاً.
والجواب: أنّ مصبّ البراءة في مورد العلم التفصيليّ هو نفس ما علمنا بالملاك فيه، وبمطلوبيّته على تقدير القدرة، فيقال فيه بحكم العقل بالتنجيز، وانصراف أدلّة الاُصول الشرعيّة عنه، ويكون التكليف فيه قابلاً للتنجيز على كلا التقديرين، أمّا على تقدير ثبوت القدرة، فالتكليف يقبل التنجيز بمقدار الامتثال، وأمّا على تقدير العجز فلأنّ العجز غير محرز، فالتكليف قابل للتنجيز بمقدار محاولة الامتثال، وأمّا في المقام فالمعلوم هو الجامع بين ما لا يقبل التنجيز يقيناً، وهو الطرف المضطر إليه، وما يقبل التنجيز، وهو الطرف الآخر، وهذا العلم لا ينجّز عقلاً، كما أنّ الاُصول الشرعية غير ساقطة بالتعارض; لعدم التعارض، وغير منصرفة عن المورد; لأنـّنا نجريها عمّا شككنا في التكليف وفي الملاك فيه، وهو الطرف غير المضطرّ إليه، لا عمّا علمنا بالملاك وبالطلب فيه على تقدير القدرة مع الشكّ في القدرة، كما في مورد العلم التفصيليّ.